يجب تأسيس مفهوم جديد للمعارضة
اتصل بي أحد الأصدقاء
البريطانيين وكان رئيس تحرير قسم البحوث في وزارة الخارجية، وكان سفيراً لبريطانيا
في الكويت واليمن، وقال لي هل هناك إمكانية أن نتحدث عن الجوانب المتعلقة بموضوع
حسين كامل في BBC وكانت لهم محطة فضائية بالاتفاق مع الشركة السعودية.
وذهبت وتعرفت إلى د. فيصل القاسم الذي كان يوم ذاك في الـBBC وأجرى معي مقابلة
تحدثت فيها عن إمكانية الاستفادة من حسين، ولماذا اعلنا تأييدنا المطلق الذي سبق
وأعلنت عنه في بيان رسمي أصدرته باسم أبناء عشائر الجبور، وأيضاً بإسم التجمع
الديمقراطي لإنقاذ العراق الذي كنت أحد قادته ، أصدر بياناً يرحب بالتعاون مع حسين
كامل، وقلت في تلك المقابلة، أعتقد أن حسين كامل يمكن أن يكون جسراً سلمياً للتغيير
في العراق، وبإمكاننا أن نستفيد من حسين كامل بالتأثير على الأشخاص المحيطين في
دائرة التأثير في العراق، وفي دائرة صنع القرار، وإننا إذا ما تعاونا مع حسين كامل
على الرغم من أنه كان أحد أركان النظام، وأقرب الناس إلى الرئيس صدام حسين، إذا
تعاونا معه بشكل إيجابي وأعطيناه الفرصة لزعزعة أركان النظام، والضغط عليه من أجل
المجيء بنظام يخدم التعددية السياسية ويصون الدستور.
كانت وجهة نظري أن هذا التصرف من قبلنا، سيشجع من لا زالوا داخل العراق، لأنني كنت
أدرك حقيقة أن الأشخاص بعد أن يغادروا موقع السلطة، والمسؤولية داخل البلاد،
وينتقلون إلى خارج البلاد، يتحولون إلى أرقام متواضعة وبسيطة لا تستطيع أن تحسم
الصراع على الحكم داخل البلاد.
أي أن الأشخاص المهمين هم الأشخاص الذين يبقون داخل بلادهم، ومن هناك يفكرون في
البحث عن وسيلة لإنقاذ البلد أو الشعب من مخالب النظام الديكتاتوري، وهو الحال في
العراق.
لقد دافعت عن هذه الفكرة، وأذكر أنني قلت، إنا مع الخيار السلمي، بما في ذلك الخيار
الذي يرغم صدام حسين على التنحي عن السلطة، والذي يضمن له مكان إقامة آخر خارج
البلاد أو حتى أن يبقى داخل البلاد مثلاً، لكن أن تسلم السلطة إلى آخرين.
ودافعت عن هذا الموضوع بشكل حقيقي، وكنت صادقاً،وكنت ما زلت في لندن وحسين كامل في
عمان، ولم نلتق وجهاً لوجه منذ خروجي من العراق.
في نفس اليوم وعبر راديو BBCتحدثت في نفس الموضوع، وأعتقد أن هذا الموضوع قد حظي
باهتمام حسين كامل، وكنت أدافع عن الموضوع بحماس منقطع النظير، وأيضاً كان يلاحظ
حسين كامل أن أغلب الذين رحبوا به على خجل أو بشكل سري أو بشروط.
فوجئت باتصال من حسين كامل يهنئني على طريقة الطرح، ويشكرني على موقفي الواضح
والصريح، وأعتقد أن المرحوم حسين كامل تصرف بحكمة وقال لي، أنه يتمنى أن أكون ممثله
والناطق باسمه، ويتمنى أن أكون قريباً منه، لأتولى الجانب الإعلامي من عمله، وقلت
أنني جاهز للعمل وللمهمة التي تساهم في إنجاح ما نفكر به من أجل العراق. مدفوعاً
بالقلق والخوف على العراق مما لمسته من المعارضة العراقية، أنني كنت مرعوب وخائف
على إثر تجربتي في مؤتمر صلاح الدين للمعارضة العراقية، ولقاءاتي مع شخصيات معارضة،
اكتشفت أن المجتمع العراقي في الخارج مهيمن عليه من قبل أشخاص من ذوي الأصول
الإيرانية.
وهؤلاء تمكنوا من مد نفوذهم على العلمانيين العراقيين، وجمعيات حقوق الإنسان،
وجمعيات اللاجئين في المهجر، ولاحقوا كل شخص كان مع النظام، وامطروه بالاتهامات
والافتراءات.
لقد ادركت أننا بحاجة لحسم الصراع مع المعارضة العراقية، قبل أن نحسم الصراع مع
النظام الحاكم في العراق، نحن بحاجة إلى تأسيس مفهوم جديد وقيم للمعارضة العراقية
بعيداً عن هيمنة الأصول الإيرانية.
ردود أفعال:
أصدر الأردن بياناً قال فيه، إن الفريق الأول حسين كامل وشقيقه العقيد صدام كامل
وزوجاتهم وكريمتي الرئيس صدام حسين، قد طلبوا اللجوء السياسي في الأردن.
جاء هذا البيان خلافاً لطلب حسين كامل التي قالها لجلالة الملك حسين عند أول لقاء
بينهما: جئنا إليك دخلاء.
وفي المقابل، أصدر العراق بياناً صحفياً، أعطى انطباعاً أن حسين كامل قد أخرج
كريمتي الرئيس صدام حسين من العراق، دون إرادتهما وبالخدعة، ووصف البيان حسين كامل
بأنه لص سرق ملايين الدولارات من أموال العراق ووضعها في حساباته الخارجية.
وعندما كشف أمره، هرب إلى خارج العراق مصطحباً كريمتي الرئيس كرهائن.
وأعتقد أن الذي قام بصياغة البيان هو طارق عزيز، الذي كان دائماً خصماً لحسين كامل،
وكان حسين كامل لا يترك مناسبة تمر دون أن يهاجم سياسة طارق عزيز، إذا كان ممكناً
سواء في اجتماعات مجلس الوزراء أو في مؤتمرات الحزب.
لهذا السب أعتقد أن الرئيس صدام حسين، أوكل لطارق عزيز مهمة صياغة البيان ليكون
قاسياً أشد ما تكون القسوة.
وحتى لا يقع الأردن في إشكالات مع النظام العراقي، هذه الإشكالات التي توقعها الملك
حسين عند استقباله حسين كامل، أراد أن يحصل على تغطية أمريكية وسعودية، قبل أن يعلن
قبوله حسين كامل، ومنها النفط والمساعدات والاعتماد الكلي في الاقتصاد .
حتى لا يقع الأردن في إشكالات من هذا النوع، أعلن الأردن أن لا مطامع له في العراق،
وأنه يسعى لحل الأزمة في الأسرة الحاكمة، ويسعى لاستيعاب المشكلة القائمة.
عدي في عمان:
وصل إلى عمان عدّي صدام حسين، وعلي حسن المجيد، وهو ابن عم الرئيس صدام حسين، وعم
حسين كامل شقيق والده، واجتمعا مع الملك حسين، وطلبا اصطحاب كريمتي الرئيس إلى
بغداد.
طلب الملك حسين مهلة لبعض الوقت، واتصل بقصر الهاشمية، وتحدث مع حسين كامل وطلب منه
أن يتحدث إلى إحدى كريمتي الرئيس، ليخبرها أن عدي قد حضر لإعادتها وأختها إلى
بغداد، ولكن حسين كامل خدع جلالة الملك وجعله يتحدث إلى شقيقته ، واهماً إيـــاه
بأنه يتحـــــــدث إلى إحدى كريمتي الرئيس صدام.
وقامت شقيقة حسين كامل بتمثيل الدور كما طلب منها، وأخبرت جلالة الملك بأنها
وشقيقتها ترفضان العودة إلى بغداد وترغبان البقاء إلى جانب زوجيهما في عمان،
وترفضان أيضاً مقابلة عدي أو علي حسن المجيد أو التحدث إليهما.
عندما قام جلالة الملك حسين بإبلاغ عدي بما جرى، طلب أن يأخذ سماعة الهاتف فلم يقبل
جلالته هذا التشكيك.
وحلاً للمشكلة، قدم جلالة الملك حسين وعداً لعدي أن يذهب بنفسه للاجتماع بكريمتي
الرئيس، وتقديم الجواب النهائي.
وحضر جلالة الملك حسين إلى قصر الهاشمية، ودخل صالة الضيافة وجلس مع حسين كامل
وصدام وعز الدين.
وطلب من حسين كامل، أن يتأكد بنفسه من أن كريمتي الرئيس صدام حسين، ترفضان العودة
إلى بغداد، فنهض حسين كامل قائلاً:
حاضر يا جلالة الملك سأذهب لأبلغهما بما ترغب، ولأن حسين كامل كان يخشى أن يكون
القصر مراقباً بالصوت، ذهب إلى الداخل وأدار سيناريو مع شقيقته مبلغاً إياها،على
أنها إحدى كريمتي الرئيس، بأن عدي قد حضر، وأن جلالة الملك يريد أن يعرف رأيها
وأختها في البقاء أو الرغبة في العودة إلى بغداد، فقالت له شقيقته كما رسم لها،
أنها وأختها لا ترغبان بالعودة، ولا تريدان مقابلة عدي.
وعاد حسين كامل إلى الصالة، وأخبر جلالة الملك أن زوجته وزوجة شقيقه تخجلان من لقاء
مع جلالة الملك، وتبلغانه قلقهما من وجود عدي وهما خائفتان من أن يقوم جلالته
بتسليمهما إلى عدي الذي سيقوم بقتلهما.
لم يكن بحساب جلالة الملك، أن يتعرض لخديعة كبرى، وأعلن أنه تأكد بنفسه من أن
كريمتي الرئيس رفضتا العودة مع عدي إلى بغداد.
حسين كامل يقرر عقد مؤتمر صحفي:
عرفت لاحقاً أن حسين كامل قرر عقد المؤتمر الصحفي، تحت تأثير البيان الذي أصدره
العراق متهماً إياه باللصوصية، وفهمت منه أن الذي قدم الاقتراح، الأستاذ مروان
القاسم رئيس الديوان الملكي الأردني في عمان، الذي أوحى له بالفكرة على أنها فكرة
الملك حسين.
هذان الاعتباران هما اللذان دفعا حسين كامل إلى الإعلان عن مؤتمره الصحفي، وهذا ما
أثار استغرابي وجعلني أشعر بأن هذا الرجل بلا خطة، وأن قرار معارضته للنظام اتخذه
في الأردن، بعد مغادرته العراق، ولم تكن مغادرته بناء على قرار معارضته للنظام، حيث
قرر عقد مؤتمره حين أحس أن الملك حسين يريد -حسبما أوحى له الأستاذ مروان القاسم
رئيس الديوان الملكي الأردني- الرد على اتهامات بغداد.
اجراءات قبل المؤتمر:
لم يغب عن ذهن حسين كامل أنه إذا عقد مؤتمره الصحفي هذا، فإن كريمتي الرئيس ستعرفان
بأنه قرر معارضة النظام، وبأن الرحلة إلى بلغاريا أكذوبة، وبأنهما تعرضتا للخديعة.
ويبدو لي أنه كان يخاف هذا الأمر، لذلك فقد قطع البث الفضائي عن قصر الهاشمية، وعطل
أجهزة التلفزيون داخل القصر، وأحدث مشكلة تقنية قام بتنفيذها شقيقه عبد الحكيم وبعض
العراقيين الذين خرجوا معه من العراق.
ولم تكن السلطات الأردنية على علم بذلك، حيث لم يكن في خدمته في القصر، أي شخص غير
عراقي باستثناء خدمات المطبخ.
السبت 12/8/1995
عقد حسين
كامل مؤتمره الصحفي الذي أعلن فيه معارضته للنظام العراقي، وقال في المؤتمر:
من المهم أن أقدم نبذة من الماضي لكي يكون واضحاً، عملت سابقاً على تأسيس جهاز
الأمن الخاص، وهو الجهاز المختص بشؤون أمن الرئيس، وكذلك تأسيس الحرس الخاص، والحرس
الجمهوري.
كان الحرس الجمهوري عند تسلمي له لواءاً واحد فقط، وكان هذا اللواء متأخراً بسبب
الحرب مع إيران.
كان أحد أفواج هذا اللواء 6 جنود فقط، وكان الفوج الثاني 24 جندياً فقط، قمت بإكمال
هذا اللواء، ومن ثم إنشاء ألوية أخرى، حتى أصبح مجموع الألوية /3/ ألوية، من الحرس
الجمهوري.
ومعروف دور الحرس الجمهوري في الحرب مع إيران، وإنقاذ العراق كان الفضل الأول له،
إضافة للتطور الحاصل في الصناعة، كنت مسؤولاً عن الأمن والحرس الخاص والحرس
الجمهوري، وعن الصناعة العسكرية والطاقة النووية العراقية.
وعام 1988، كنت وزير الصناعة المدنية، التي أضيفت إلى عملي، عملنا معروف لدى
العراقيين، ولكن للأسف حصلت بعض الإشكالات والأمور المعقدة في إدارة شؤون الدولة
داخلياً، والسياسة الخارجية، لذلك أدت بالنتيجة إلى تدهور وضع العراق في الجانب
الاقتصادي وكل الجوانب الأخرى.
في بداية علاقتي مع الرئيس، كنت أوضح هذه الإشكالات والنواقص، التي تؤثر على البلد،
لكن لم يجر تبديل وتصحيح لهذه القضية الخاطئة، بعد حرب الخليج عينت وزيراً للدفاع،
إضافة إلى وزارات الصناعة والنفط والتصنيع العسكري.
وبعد فترة انعقد المؤتمر القطري، وكان نقدي واضحاً لهذه المسيرة، وكان كادر الحزب
يستمع بوضوح، وسميت الأشخاص الذين لا يمارسون عملاً صحيحاً للدولة، وسببوا هذا
التدهور والتلكؤ في شؤون الدولة، وكان أولهم (طه ياسين رمضان)، نائب رئيس الجمهورية
آنذاك، ورئيس الوزراء سعدون حمادي، وعدداً من المسؤولين، تحدثت بوضوح مع انتقادات
بشكل كاف وللأسف لم يجر تصحيح هذه المسيرة.
معروف أن السياسة العراقية هي الآن في عزلة تامة والوضع الاقتصادي متدهور جداً،
وإنها لا تهتم بإدارة شؤون البلد، بل بتعقيد المشاكل مع العالم بعد هذا النقد
الصريح لمؤتمرات الحزب واجتماعات لمجلس الوزراء ومعاناتنا، وألمنا لهذا التجمع، إذ
لابد أن يحصل شيء، وبسب القربى مع الرئيس صدام من الصعب أن يكون لنا عمل واتصالات
سرية ونحن في السلطة، واعتبرنا هذا معيباً وقررنا أن يكون تحركنا واضحاً ومعلوماً،
فاخترنا أن نكون ضيوفاً على جلالة الملك، ولأن يكون مقرنا الأردن، وحصلنا على
الرعاية الكاملة والاهتمام وهذا شيء مشرف لنا، هذا هو سبب خروجنا من العراق.
وسنعمل بشكل جدي ومتواصل لتغيير النظام القائم في العراق، وبدأنا اتصالاتنا مع
مقيمين في خارج وداخل العراق بشكل سريع، ووجدنا هنا تجاوباً ورغبة كبيرة، بسبب حالة
التذمر والعيش في العراق، وسنواصل عملنا وبهذه المناسبة نقدم دعوتنا إلى ضباط الجيش
العراقي والحرس الجمهوري، والحرس الخاص وموظفي الدولة العراقية، ولكل المجتمع
العراقي، بأن يتهيأوا لهذا التغيير الملح، الذي سيجعل من العراق مجتمعاً حديثاً
يتعامل مع العالم بواقعية، ومع المجتمع العربي بتفاعل جيد، لإزالة الخلافات
والمشاكل مع أية دولة عربية، ومع دول العالم لتأسيس علاقات جدية نافعة للبلد
والعــالم، ونعيد تطوير المجتمع، وأنا واثق بأن ضباط الحرس الجمهوري والحرس الخاص
يعرفون معنى هذه الدعوة، ويعرفون دوري في بناء الحرس والجيش، وامكانياتي في تصحيح
الأخطاء وبناء بلد مهم، ويعرف موظفو الدولة وشعب العراق من هو الذي يتحدث وماذا
يقصد بالتغيير.
وفي رده على أسئلة الصحفيين قال:
ـ في موضوع الاتهامات والخطاب الذي ألقاه الرئيس صدام: لم يكن بودي أن أتحدث بأمور
شخصية، لكني استغربت من الطرح الموجود والأمور التي احتواها، سوف لا أدخل بأمور
شخصية، ولكني أحذر تحذيراً شديداً من تناول أمور شخصية ليست صحيحة، وغير موجودة،
وإذا ما استمرت فسوف أفضح أموراً في غاية الخطورة.
ـ واتصالاتي الآن مع العراقيين، خارج وداخل العراق، بأشخاص رسميين وسنجري اتصالات
على المستويين العربي والدولي، لمصلحة العراق، وسنعمل على رفع الحصار من خلال
اتصالاتنا لأنه في مصلحة البلد والشعب، لو لم نحس بمصلحة المواطن لما خرجنا من
السلطة، شخصياً لم أكن متضرراً من وجودي في السلطة، فأنا أتمتع بصلاحيات كاملة،
ولكن معاناة شعبنا دفعتنا للخروج من العراق.
ونسعى أن نكون جيراناً للعرب وأصدقاء لدول العالم، ونعمل من أجل سقوط النظام، ولا
نتحمل مسؤولية كشف أسرار البلد.ولم أكن على علاقة سيئة مع عدي أو قصي.ولم أتصل حتى
الآن مع الولايات المتحدة الأمريكية.وأرفض الحديث عن الشؤون الشخصية للرئيس صدام
حسين بسبب القربى بيني وبينه.
انتهى المؤتمر الصحفي وكان الأمير تركي الفيصل رئيس المخابرات السعودية.في القصر
الملكي في الأردن ينتظر حسين كامل. وعقد الرجلان اجتماعاً مطولاً.
الرابعة
عندما انهى
حسين كامل المؤتمر الصحفي، ذهب إلى قاعة مجاورة كان فيها جلالة الملك حسين الراحل
والأمير تركي الفيصل رئيس المخابرات السعودية، والذي سبق أن قلنا أنه جرى الاتفاق
بين الملك حسين وبين الملك فهد على إيفاده للقاء الفريق حسين كامل ليستمع بشكل
مباشر لما لدى حسين كامل من معلومات عن خطة عراقية لإعادة احتلال الكويت، وشرقي
السعودية وهي التي سبق وأن قلنا عنها بأنها خطة استعراضية سرعان ما تراجع العراق
عنها بعد تلقيه تهديدات أمريكية عبر موفد روسي ولم تكن فعالة أو قيد الدرس عندما
خرج حسين كامل لكنه ذكرها كنقطة خلاف بينه وبين الرئيس صدام حسين والتقطها الملك
الراحل الحسين بن طلال من أجل أن يعبر من خلالها عن إعادة جسور الود مع الكويت
والسعودية.
لقد كان الأمير تركي مصغياً طول الوقت وبدأ الحوار جلالة الملك حسين، كما قال لحسين
كامل أن الأخ سمو الأمير تركي حضر للاستماع لك يا سيادة الفريق وليستمع بشكل مباشر
عن خطة العراق لاحتلال الكويت وشرقي السعودية وذلك بتكليف من أخي الكبير خادم
الحرمين الشريفين جلالة الملك فهد.
طبعاً حسين كامل لم يستطع الإفلات من هذه القصة على الرغم من ندمه الشديد على ذكرها
كما قال لي فيما بعد وأحرج على أن يضخم القصة ويجعل منها قصة ساخنة في ذلك الوقت،
وحاول من خلال حديثه أن يعطي انطباعاً بأن الخطة موجودة وقابلة للتنفيذ في أي وقت.
وبما أن لكل خطة أدوات تنفيذ فسأله سمو الأمير تركي الفيصل عن الوسائل والمؤشرات
التي تجعل هذه الخطة قابلة للتنفيذ كما أراد أن يعرف المستمسكات والمؤشرات الواضحة
التي تجعل الذي يدرس هذه المعطيات يصدق بوجود هذه الخطة خصوصاً أن الاستخبارات
السعودية التي تعتمد على طائرات الأواكس في رصد تحركات القوات العراقية لم تظهر مثل
هذه التحشدات، لقد أخذت مناقشة خطة العراق لإعادة احتلال الكويت وشرقي السعودية
وقتاً طويلاً من الحوار شعر من خلالها حسين كامل أن الأمير تركي لم يكن مقتنعاً
بوجود مخاطر ضد الكويت والسعودية في ذلك الوقت وأن حسين كامل يتحدث عن خطة مضى
عليها أكثر من سنتين، وربما يكون هو أحد مهندسيها، لكنه يريد اليوم أن يجعل منها
سبباً لخلافه مع الرئيس صدام حسين من أجل استرضاء السعودية وكسب دعمها وهو دعم سعى
إليه فيما بعد حسين كامل بكل الوسائل ولم يستطع الحصول عليه ومن ثم جرى نقاش مطول
بين الأمير تركي الفيصل وحسين كامل بحضور جلالة الملك كان خلاله الأمير تركي يقدم
أسئلة مختصرة وحسين كامل يجيب مستطرداً وأيضاً لم يفلح حسين كامل بإقناع رئيس
المخابرات السعودية بقدرته على الإطاحة بالنظام بل لم يستطع أن يقنع الأمير تركي
بقدرته التأثير على تغيير مجرى الأوضاع، وهو ذات الشيء الذي حصل فيما بعد مع الوفد
الأميركي، فحسين كامل لم يستطع أن يقدم نفسه كما ينبغي ومن لا يعرفه جيداً يجد
صعوبة في تصديق ما يقول أو حتى إيجاد نوع من الألفة في التعامل معه.
ويبدو لي بعد أن روى لي حسين كامل ما جرى في ذلك اللقاء أن الأمير تركي شعر أن دعم
حسين كامل وتمكنه من تسلم السلطة لا يمثل تغييراً في القيادة العراقية بل استمرارا
لنفس النهج المتعجرف المغامر في العراق، وإن حسين كامل إما أن يكون قد خرج بالاتفاق
مع القيادة العراقية لإحداث تغيير صوري وإما تعارضت مصالحه ونفوذه مع مجموعة أخرى
في الحكم فخرج ليحشد الدعم لنفسه في مواجهة مجموعة أخرى في الحكم ولذلك فضل الأمير
تركي الفيصل أن يجري لقاؤه مع حسين كامل بعد أن يتحدث الثاني في مؤتمر صحفي علني عن
خلافه مع مؤسسة الحكم، طبعاً في ذلك اللقاء كان حسين كامل ما زال منتشياً من النجاح
الذي حققه في المؤتمر الصحفي وواقعاً تحت تأثير شعور قوي بأنه الرئيس القادم في
العراق وتحدث مع الأمير تركي بهذه الروحية وهو ما يختلف كلياً عما سيفعله حسين كامل
فيما بعد من محاولات متعددة لإقناع القيادة السعودية لاستقباله وهو ما سنتحدث عنه
في حلقات أخرى.
لكن ما هو مؤكد أن كل الرسل والمبعوثين والقنوات التي عملت بين حسين كامل والسعودية
للحصول على دعمها لم يسفر حتى عن إمكانية زيارة حسين كامل إلى السعودية أو الحصول
على دعمها بسبب الانطباعات التي كونها الأمير تركي الفيصل في اللقاء الأول مع حسين
كامل.
بعد إنهاء اجتماع الأمير تركي، ذهب حسين كامل إلى القصر المخصص لإقامته يرافقه
شقيقه صدام كامل وابن عمه عز الدين محمد، وأشاد الاثنان بالطريقة التي أدار فيها
حسين كامل المؤتمر الصحفي وعبرا له عن مفاجأتهما بقدراته وقال له صدام كنت خائفاً
عليك، لأنني كنت أعرف أن الصحفيين هنا لهم الحرية في توجيه أي سؤال دون حسيب أو
رقيب لكنك خرجت أكثر نجاحاً.
اتصل حسين كامل من الموبايل الذي كان معه، بشقيقه عبد الحكيم كامل، الذي أشرف على
قطع الاتصال التلفزيوني عن كريمتي الرئيس صدام حسين وسأله إذا ما شاهدتا المؤتمر
الصحفي فاطمأن بأنهما لم تشاهداه، وهو ما أبقاه في حالة فرح ونشوة، وبدأ في متابعة
ما تقوله الإذاعات عبر راديو السيارة عن مؤتمره الصحفي وابتهج للنتائج، وسأله عز
الدين إلى متى تعتقد أنه يمكنك إخفاء وضعك الجديد وموقفك عن أم علي، وكان يقصد زوجة
حسين كامل، كريمة الرئيس صدام حسين، قال حسين كامل: إذا استطعنا إخفاء هذا المؤتمر
الصحفي والتعليقات التي ستعقبه فإننا سنحافظ على الهدوء داخل البيت وستسمر الأوضاع
على ما يرام.
عندما وصلوا قصر الهاشمية، كان حسين كامل متأنقاً ولاحظ أن زوجته طبيعية وهذا يعني
أنها لا تعرف شيئاً وهو يدرك بأنها لو كانت عرفت بما جرى في المؤتمر الصحفي فإنها
لن تبقى ساعة واحدة في عمان.
ذهب حسين كامل فيما بعد ليجلس في غرفة التلفزيون في جناح الاستقبال ليشاهد نفسه،
لكنه أيضاً لم يتمكن لأنه قد قطع الاتصالات التلفزيونية عن القصر، مما اضطره
للاستعانة بالراديو فقط، وبإجراء اتصالات هاتفية مع بعض الشخصيات العراقية لمعرفة
تقييمهم لأدائه في مؤتمره الصحفي وكان الكل متفقاً على نجاح أدائه المميز.
لقد أبلغت دائرة التشريفات الملكية بأن وفداً أمريكياً كبيراً وصل عمان يريد
الاجتماع مع حسين كامل وتم تحديد موعد له في اليوم الثاني في الموعد المحدد
للاجتماع، استقبل حسين كامل ما يقرب الثلاثين شخصاً كان بينهم خبراء في التسلح
ومعنيين بملف العراق ومن جميع المواقع المهمة في الإدارة الأمريكية بدءاً من
الخارجية الأمريكية والبنتاغون و CIA وأعتقد ولست متأكداً أن ممثلين عن جميع
الأجهزة الاستخبارية الأمريكية كانوا حاضرين ذلك اللقاء.
قال رئيس الوفد لحسين كامل بأنه شاهد مؤتمره الصحفي على CNN وهو يتفق مع تعليقات
وسائل الإعلام فيما قالت عن نجاح المؤتمر الصحفي لحسين كامل.
ثم انتقل إلى جوهر الموضوع كان أكثر ما يهم الأمريكان معرفة معلومات عن التسلح
العراقي، والوضع الصحي للرئيس صدام حسين ومدى تأثير أولاده عليه، كما كانوا يريدون
أن يعرفوا خطط حسين كامل ومشاريعه لتغيير الحكم في العراق.
لقد كان حسين كامل واقعاً تحت تأثير الاتهامات التي وجهها العراق له في البيان الذي
صدر من بغداد ولذلك كان الاحتكام لعاطفة الانتقام أكثر من الاحتكام للعقل، ولذلك
حاول أن يحرض الأمريكان على النظام في العراق، وأن يضخم التهديدات والمخاطر التي ما
زال يمثلها الرئيس صدام حسين لدول المنطقة، ويمكنني القول إنه لم يقدم معلومات ذات
قيمة في هذا اللقاء عن التسليح العراقي، وإنما قدم معلومات عامة، كما حاول أن يضخم
من مساوئ أولاد الرئيس وأشقائه، وحاول كثيراً التحدث عن الممارسات السلبية لأشقائه
من أمه، برزان ووطبان وسبعاوي، محاولاً لصق كل ما هو سيئ بهم مظهراً نفسه على أنه
رمز للتغيير الديمقراطي في العراق، (كان حسين كامل رمزاً للقسوة والظلم والعنف
والتسلق السريع وأذكر بأنه كان يناديني يا ديمقراطي ساخراً من طروحاتي الديمقراطية).
كما أنه أخفق إخفاقاً شديداً في إثبات أن العراق يحشد لإعادة احتلال الكويت وشرقي
السعودية، ولاحظ الأمريكان أيضاً بأنه يتهرب من الكثير من الأسئلة، وعندما سألوه
ماذا يريد من الولايات المتحدة الأمريكية قال: بأنه يريد دعماً سياسياً لمشروع
التغيير وتعهداً أمريكياً بمنع الدول المجاورة للعراق من استغلال ظروف التغيير
للتدخل في شؤون العراق الداخلية أو احتلال بعض أراضيه وعبر عن مخاوفه من إيران
وتركيا وقال لهم أنه يريد تعهداً أمريكياً برفع الحصار عن العراق بمجرد أن يحصل
التغيير، وعندما سألوه ما هي خطته للتغير في العراق قال حسين كامل: إن لديه خطة
عسكرية مستمدة من تجربته ومعرفته بالوضع الأمني في العراق، وأنه واثق جداً من
نجاحها وعندما طلب منه الوفد الأمريكي توضيح الخطة، قال حسين كامل: أن خطته تقوم
على تشكيل قوات عسكرية من اللاجئين العراقيين في الخارج ومن سيدعوهم للالتحاق به،
وأن تسلح هذه القوات بأسلحة مشاة، وبعد ذلك تقوم بعملية إنزال في قاعدة H3 (هي
قاعدة جوية تقع في غرب العراق وقريبة من الحدود الأردنية)، واحتلالها، وسيقوم
النظام العراقي عندئذ بتوجيه القوات العراقية باتجاه تلك القاعدة لتحريرها، وستكلف
بهذه المهمة قوات الحرس الجمهوري، وبما أن حسين كامل يعرف كل قادة الحرس الجمهوري
وضباطه، وعلى علاقة طيبة معهم، فإن حسين كامل سيخاطب هؤلاء ويناشدهم الانضمام إلى
قواته، وسيوافقون، وعند ذلك ستكون هذه القوات المكلفة بتحرير H3 هي القوات التي
ستسقط النظام الحاكم في بغداد.
ظهر للأمريكان وهو ما لم يقولوه لحسين كامل بل قالوه لي فيما بعد عندما زرت واشنطن
بتكليف من حسين كامل، أن هذه الخطة تتسم بالسذاجة والغباء، لأن مثل هذا الانزال في
الصحراء يصعب نجاحه بل أن قوة مشاة تدافع عن القاعدة ستتمكن من سحق الانزال أو أسر
القائمين به، وأن أفلت ونجا يمكن تطويقه إلى حين استسلامه، وهو ما أقنع الأمريكان
أن حسين كامل يمكن أن يكون بخروجه على النظام قد هز أركانه، لكنه لا يمتلك
الاستراتيجية القادرة على إسقاط النظام، مما جعل الأمريكان يتصرفون معه على أنه
مصدر للمعلومات فقط.
قال حسين كامل، بأنه سيحافظ على حياته ويؤمن له إقامة لائقة وحماية من الملاحقة
مضيفاً عليكم أن لا تنسوا بأنه عمي قال هذه الكلمة وهو يضحك في حين لم يضحك من هذا
الجواب الوفد الأمريكي بل رسخ قناعتهم بأن حسين كامل لن يستطيع أن يكون البديل عن
الرئيس صدام حسين.
أما في موضوع التسلح وقبل نهاية الاجتماع اتفق حسين كامل مع الوفد أن يستقبل ايكيوس
رئيس لجنة نزع الأسلحة العراقية التابعة للأمم المتحدة وقال حسين كامل فلنرى ما
قاله العراقيين له وعندها نتحدث بكل شيء في هذا الموضوع لأنه موضوع شائك وطويل
ومعقد، وفي ضوء الملفات التي لدى الأمم المتحدة سنحدد صحة أو كذب ادعاء السلطات
العراقية.
انتهى الاجتماع مع الوفد الأمريكي بنتائج ليست في صالح حسين كامل ومشروعة التغيري،
حيث اقتنع الأمريكان ببساطة وسذاجة حسين كامل.
الخامسه
وفي الأيام
التالية، وبعد أن أصدر الأردن بياناً قال فيه أن الفريق الأول حسين كامل ومن معه قد
طلبوا اللجوء السياسي في الأردن، وعلى إثر ذلك وصل عدي صدام حسين إلى عمان وطلب
اصطحاب كريمتي الرئيس إلى بغداد.
وقام حسين كامل بخديعة الملك حسين وإيهامه بأن كريمتي الرئيس لا ترغبان في العودة
إلى بغداد من خلال أخته، وربما كانت هذه الخديعة سبباً في المشاكل التي ثارت بين
حسين كامل والأردنيين فيما بعد.
وقرر حسين كامل بإيحاء من رئيس الديوان الملكي الأردني عقد مؤتمر صحفي وقبل ساعة
المؤتمر قطع البث التلفزيوني عن القصر الذي يضم عائلته وأحدث مشكلة تقنية في القصر
بمساعدة أخيه عبد الحكيم، وذلك ليمنع كريمتي الرئيس من الاطلاع على مجريات المؤتمر.
وأعلن في المؤتمر عن معارضته للنظام العراقي في بغداد وعن ما أسماه برنامجه السياسي
وخططه لتغيير النظام، بعد أن تحدث عن ماضيه وعن فصائل المعارضة للتعاون معه.
بعد المؤتمر الصحفي الناجح تملك حسين كامل شعوراً بأنه الرئيس القادم للعراق، وبعد
المؤتمر اجتمع بالأمير تركي الفيصل رئيس جهاز المخابرات السعودية، الذي قيم حسين
كامل سلبياً حيث حاول حسين كامل اقناعه بخطة عراقية لدى الرئيس صدام حسين لإعادة
احتلال الكويت وشرقي السعودية ولم يستطع حسين كامل من تقديم ما يثبت أن هذه الخطة
قيد التنفيذ، كما اجتمع حسين كامل بوفد من الإدارة الأمريكية، وعندما سأله
الأمريكان ماذا تريد منا؟ قال أريد دعماً سياسياً لمشروع التغيير، وتعهداً أمريكياً
برفع الحصار بعد التغيير.
وقدم خطة عسكرية قيمها الأمريكان بأنها ساذجة وهي كذلك.
كما نجح حسين كامل في قطع البث التلفزيوني عن القصر المخصص لإقامة عائلته لكي
يتحاشى مشاهدة زوجته له، وهو في المؤتمر الصحفي، وعندما سئل عما يفعله بالرئيس صدام
لو هو تمكن من استلام الحكم، قال بأنه سيحافظ على حياته ويؤمن له حياة لائقة وحماية
من الملاحقات
قصة خروج وعودة الفريق الأول حسين كامل وشقيقه صدام كامل
عندما انتهى الاجتماع مع الوفد الأمريكي، حيث تم الاتفاق أن تتم مناقشة موضوع
الأسلحة بي