في مزرعة على مقربة من مدينة بغداد في حي الدورة.. وهو منطقة بساتين وفلل رائعة في مدينة بغداد ويقع ضمن تشكيلتها الإدارية. ويشتهر ببساتينه الخلابة الجمال.. ويعتقد أن اسمه قد جاء من دورة نهر دجلة حوله. ومعروف لدى أهل بغداد أن هذه المنطقة كانت مملوكة بأغلبها لأبناء عشيرة الجبور قبل أن تسيطر الدولة على بعض الأراضي وخاصة الأراضي الواقعة على ضفتي النهر وتوزعها على المقربين من القصر الرئاسي. في مزرعة فخمة من مزارع هذا الحي. وتحديداً يوم 7/8/1995 اجتمع ثلاثة أشخاص لتناول الغداء.. وكان هذا الاجتماع خلافاً للعادة.. للرجال دون عائلاتهم.
كما أن الاجتماع لم يكن للاستمتاع بالوقت كما جرت العادة... فقد كان الوجوم مسيطراً.. والجو ينبأ باتخاذ قرارات مصيرية.
في ذلك القصر الجميل المحاط بحراسات مشددة كان الثلاثة: الفريق حسين كامل. وزير الصناعة والتصنيع العسكري وصهر الرئيس صدام حسين ورجل العراق القوي. وشقيقه العقيد صدام كامل وهو المرافق الأقدم للرئيس صدام حسين وصهره أيضاً.
أما الثالث في ذاك الاجتماع فقد كان الرائد المتقاعد عز الدين محمد وهو صهر الفريق حسين والعقيد صدام كامل.. وابن عمهم.
واختلاف الألقاب ناتج عن قانون في العراق أصدرته السلطة الحاكمة. باقتراح من طارق عزيز على ما أعتقد ودعم من الرئيس صدام حسين يمنع العراقيين من استخدام ألقابهم العائلية أو القبلية وإلزامهم باستعمال الاسم الأول واسم الأب واسم الجد بما في ذلك البطاقات الشخصية والمستمسكات الرسمية وذلك لأسباب سنتحدث عنها في وقت آخر وفي مكان آخر من هذه الجريدة.
فاسم (كامل) الذي يعقب اسم حسين وشقيقه صدام هو اسم والدهما. أما الجد فاسمه مجيد. وبذلك يكون الاسم الثلاثي للفريق هو حسين كامل مجيد أما شقيقه فاسمه الثلاثي صدام كامل مجيد.
أما اسم محمد الذي يعقب اسم عز الذين فهو محمد حسن مجيد. واسم حسين الذي يعقب اسم الرئيس صدام فهو اسم والده حسين مجيد.
خارج السيطرة:
أشير إلى أن هذا الاجتماع لم يكن تحت المراقبة لأنني عندما عرفت لاحقاً من المرحوم صدام كامل عما جرى مناقشته من مواضيع خطيرة ومهمة في هذا اللقاء. سألته:
ـ ألم تكونوا خائفين من أن يكون الاجتماع مراقباً من قبل أجهزة الأمن.. خصوصاً أنني وصدام كامل كنا نعرف أن جميع بيوت المسؤولين في الدولة العراقية موضوعة تحت المراقبة بالصوت بشكل مؤكد وبالصورة أحياناً. فقال لي وقتها:
ـ هل تعتقد أن أحداً يتجرأ على مراقبة منزل ابنة الرئيس؟ إذا ما افترضنا أنه من الممكن أن يضعنا أحد الأطراف تحت المراقبة.
في جلسة ما قبل الطعام قال المرحوم الفريق حسين كامل للحاضرين: إن الأوضاع ما عادت تحتمل، وأنا شخصياً لم أعد أستطيع أن أبقى جزءاً من هذه الدولة. ويبدو أن الرئيس فقد سيطرته على أولاده. الذين يريدون تحجيمنا وتشويه سمعتنا متناسين أننا نحن من حمينا النظام. ونحن من أبقينا الحكم. ونحن الذين أنقذناهم من هلاك مؤكد.
قال لي وقتها الفريق حسين كامل أن الرئيس صدام حسين استدعاه في أحد أيام شهر شباط من عام 1991 وقال له بالحرف الواحد: لقد انتهينا وأعتقد أن بغداد ستسقط وعلينا أن نفكر بالخطوة التالية. وقال الفريق حسين كامل أن الرئيس صدام حسين كان يفكر بالهرب إلى الأردن وأن الوضع في ذلك اليوم كان يشير إلى أن جميع أعضاء القيادة العراقية قد هربوا من بغداد وأصبحت الانتفاضة على بعد أربعين كيلومتراً من مدينة بغداد حيث سقطت تقريباً جميع المحافظات الجنوبية. وفي الوقت ذاته شهدت بعض أحياء مدينة بغداد تحدياً للسلطة تم التعبير عنه بأعمال مسلحة مثل مهاجمة مقرات الأمن. ومقرات الحزب الحاكم في حي الثورة والشعلة.
وأكد لي الفريق حسين كامل بحضور السيد «العلي» بأنه قال للرئيس صدام حسين:
ـ سيدي لا تهتهم فلن نسقط. أعطني صلاحياتك وسأريك ماذا أفعل.
ووافق الرئيس صدام على إعطاء صلاحياته للفريق حسين. وجرى ما سنتناوله في حلقات لاحقة على لسان حسين كامل.
من خلال هذه الواقعة كان حسين كامل يريد أن يدلل على دوره في حماية بقاء النظام. نعود إلى ضفاف دجلة.. والى الاجتماع المتوتر..
أضاف الفريق حسين كامل على مسامع أخيه وابن عمه: إن عدي حاول استفزازي وإهانتي. اتصل بي وقال: أتعرف لماذا تم إيفادك إلى موسكو.. (كان الفريق حسين كامل قد أوفد إلى موسكو قبل هذا الاجتماع بعدة أيام).. وعندما سألته لماذا؟ أجاب لقد تم إيفادك لتمنع من حضور المؤتمر القطري للحزب . وكان فعلاً وأثناء فترة وجود الفريق حسين كامل في موسكو قد انعقد المؤتمر القطري للحزب الحاكم في العراق وتم انتخاب قيادة قطرية جديدة. ومعروف لدى المطلعين أن الفريق حسين كامل كان يطمح منذ زمن طويل أن يكون أحد أعضاء القيادة القطرية. حيث حاول أن يرشح نفسه في المؤتمر الذي عقد في الشهر الثالث من عام 1991 لكن الرئيس صدام حسين طلب منه عدم ترشيح نفسه ووعده بأنه سيدعم ترشيحه في المؤتمر القادم.
هكذا قال حسين كامل لشقيقه وابن عمه وقال لهما أيضاً:
ـ يبدو أن الرئيس أراد إبعادي عن القيادة القطرية ليرشح أحد أولاده في المستقبل.
واستمر الفريق حسين كامل يتحدث عن استفزازات عدي له وقيامه بانتقاده بشكل علني في جريدة بابل التي يملكها. وأضاف: أن عدي ينتقم مني لأنني استقلت من وزارة الدفاع نهاية عام 1991.
وحدث وقتذاك أن طلب الفريق حسين كامل من الرئيس صدام حسين إيقاف تدخل عدي في مجريات عمل الدولة وأيضاً الحد من سيطرته على ممتلكات المواطنين. وعندما رفضت طلباته ترك وزارة الدفاع وقدم استقالته. وظل في بيته عدة أشهر مفترضاً أن الرئيس لن يقبل بتلك الاستقالة.
وعندما اقترح الرائد عز الدين محمد على الفريق حسين كامل عدم مغادرة العراق ومناقشة الرئيس مباشرة بهواجسه وانزعاجاته. ذكره بحادثة الاستقالة وأضاف:
ـ لا فائدة من مناقشة الرئيس في اعتراضاتنا. ثم أضاف موجهاً كلامه إلى الرائد عز الدين: أنت أول من عليه أن يفكر بمغادرة العراق، فرأسك مطلوب وموضوع تحت المراقبة ولولا خجلهم ومعرفتهم بأنني لن أصمت لقتلوك منذ زمن..
وهل نسيت الأشخاص الذين نزعت سلاحهم وأخذت بطاقاتهم الشخصية قبل عدة أيام عندما كانوا يتسللون إلى مزرعتك بعد منتصف الليل. كان حسين كامل يشير إلى قيام عز الدين بالاستيلاء على سلاح ووثائق مجموعة مسلحة وجدها في حديقة منزله الواسع مدعين بأنهم كانوا مكلفين بمراقبته وليس لاغتياله.
وكان حسين كامل يقول لعز الدين أن رأسك مطلوب لأنه في عام 1991 عندما كان عز الدين ضابطاً برتبة رائد في أحد ألوية الحرس الرئاسي الخاص. وأبلغ بأمر من الرئيس صدام حسين بتوليه رئاسة مجلس تحقيقي ليحقق مع ستة أشخاص من الحرس الرئاسي بتهمة قيامهم بالاستيلاء على حاجات شخصية جداً للرئيس صدام حسين من أحد قصوره التي كانوا يحرسونها خلال انهيار الدولة في الانتفاضة عام 1991 والتي أشرنا إليها سابقاً. (الأشياء الشخصية التي تمت سرقتها هي ملابس داخلية وعطور وكريمات وصابون.. الخ). وكان الأمر، يقول حسبما قال لي صدام كامل بحضور عز الدين ودون اعتراض منه في منزلي بعمان في الشهر العاشر من عام 1995 (يشكل مجلس تحقيقي برئاسة عز الدين محمد وينفذ بهم الإعدام)..
قال عز الذين للذي أبلغه بالقرار إذا كان يريد أن يعدمهم فلماذا لا ينفذ بهم الإعدام دون أن يورطني بأنني أنا من أوصى بإعدامهم وإذا أراد أن يشكل مجلس تحقيقي فعليه أن يترك لي صلاحية تقرير مصيرهم. أفلا يكفي بأنه تم إعدام الآلاف قبل عدة أيام من المنتفضين والآن أيضاً يريد أن يبدأ بإعدام منتسبي الحرس الخاص الذين وقفوا معه يوم هرب حتى وزرائه من بغداد.
هذا الكلام وصل للرئيس صدام حسين وأمر باعتقال عز الدين، ولم تقف الأمور عند هذا الحد، فعز الدين أعرفه منذ ما يقرب من خمسة وعشرين سنة، كنت أعرفه حاد الطباع شجاع، فتمرد على الأمر وطلب من وحدته العسكرية التمرد وقال للذي أبلغه بأمر الرئيس باعتقاله: الذي يريد أن يعتقلني فليأت لاعتقالي وسنرى من الذي سيعتقل الآخر. ما كان لأحد من أفراد أسرة صدام أن يقول مثل هذا الكلام لا عز الدين ولا غيره ولكن يبدو أن انفلات الدولة وانهيارها وما يعرفه عما قاله الرئيس بأن النظام سقط، ولد شعوراً جديداً لدى الجيل الذي لم يكن له الفضل في مجيء الرئيس إلى السلطة فأصبح يشعر بأنه صاحب فضل في الإبقاء والمحافظة على النظام بعد أحداث الانتفاضة. ولكنه في النهاية استسلم وأودع السجن لعدة أشهر ومن ثم أطلق سراحه وأحيل إلى التقاعد. (وتم إعدام الحراس الستة بحضور 1500 شخص من كل فوج من الأفواج العشرة للحرس الرئاسي. وكان الرئيس صدام يريد أن يجعل من هذا الموقف درساً وعبرة). لكن عز الدين محمد على ما يبدو كان يعرف أنه ربما يتم تسميمه أو اغتياله بأوامر من أولاد الرئيس أو من الرئيس شخصياً بطريقة لا يظهر فيها أي دور لهم في تصفيته. وكانت حادثة المسلحين في الحديقة دليل على ذلك..
ولكن بالرغم من كل هذا الكلام أصر عز الدين وصدام كامل على الاعتراض. وقال عز الدين: إن مغادرتنا للعراق تعني إضعاف السلطة وربما سقوطها وإذا سقطت فلن يرحمنا أحد فإذا نحن خرجنا نحصل على الأمان لأنفسنا لكن ماذا عن أهلنا وأشقائنا وأقاربنا. قال حسين كامل لهم:
ـ تعلمون أنه ما عاد يتعلم.. تعرفون جيداً بأنه قبل سنة أراد أن يعيد احتلال الكويت وعندما كشفته أجهزة المراقبة الأمريكية وأرسلوا إليه الموفد الروسي لم يكتف بسحب قواته من الكويت والإعلان عن عدم نيته احتلالها بل أعلن الاعتراف hها بل أعلن الاعتراف بالكويت كدولة مستقلة ذات سيادة وليست المحافظة التاسعة عشر كما كان يردد سابقاً.
أخيراً سأل صدام كامل ماذا نريد أن نحقق من هذا الخروج؟ قال حسين: نخرج ونقيم في عمان بضيافة الملك حسين الذي أعتقد بأنه سيستضيفنا وأنا تربطني به علاقة جيدة، وكثيراً ما قدمت له المعونات وللأردن عن طريقي وهو يعرف بأنني كنت أحضر لقاءاته مع الرئيس صدام حسين وسوف يكون سعيداً بأننا سنكون ضيوفه ومن عمان نكتب إلى الرئيس ونقول له لن نعود إلا بشروط وأولها أن يبعد عدي عن جميع المناصب ويوقف تدخله في شؤون الدولة وأن توكل إلينا مهمات في قيادة الدولة، فأما يسلمني رئاسة الوزراء، أو أن أكون نائباً له، فنحن من حمى النظام وليس عدي، كما عليه أن يوقف استهتار شقيقه وطبان وأن يعفيه من منصب وزير الداخلية والذي أصبحت تصرفاته المجنونة واعتداءاته على المواطنين تلحق الضرر بمؤسسة النظام ولا يجب أن نصمت عنها. وإن رفض الرئيس مطالبنا فسنعيش بعمان وهم سيندمون في النهاية وسيلبون مطالبنا.
وعندما سألت صدام كامل لاحقاً في عمان، لماذا تعتقد أن الرئيس صدام حسين كان يرفض ترشيح حسين كامل للقيادة القطرية، وأوفده إلى موسكو خلال المؤتمر، قال لي:هناك عضوين في القيادة القطرية من عائلتنا هو عمي علي حسن مجيد وكامل ياسين الرشيد، إضافة إلى الرئيس، فمن غير المعقول أن يأتي بعضو قيادة قطرية آخر من العائلة. وكان الرئيس يرى أن هذه المسميات ستسيء له وأن دور حسين كامل هو أكبر من دور عضو قيادة قطرية، فلذلك كان يعارض في حين كان طموح حسين كامل هو خلافة صدام في الحكم. إذا ما تعرض لمكروه باعتباره ابن عمه وصهره صاحب فضل على النظام كما قال لي عز الدين في عمان أيضاً.
لقد تمكن حسين كامل في الرابعة عصراً من فرض وجهة نظره وتقرر أن يغادر الثلاثة وعوائلهم إلى عمان. (ويبدو أن حسين كامل كان قد خطط وحيداً لهذا الخروج حيث قام قبل هذا اللقاء بأربعة أيام بإبلاغ زوجته وشقيقه صدام وعز الدين عن رغبته بمرافقتهم إياه عندما يسافر إلى بلغاريا بقصد السياحة). وتم وضع خطة المغادرة.
كانت الخطة هي استغلال أن اليوم التالي هو عطلة رسمية في العراق، واحتفالات بمناسبة يوم إيقاف الحرب مع إيران وما كان يسميه النظام الانتصار على إيران، وجرت العادة أن يقضي أفراد مؤسسة الحكم كل منهم مثل هذه المناسبات مع أسرهم والمقربين إليهم ليحتفلوا بالطريقة التي يريدونها وهذا يعني بأنهم يضمنون بأنه لن يستغرب أحد غيابهم.
ثانياً: أن ترسل سيارات بتوجيه من صدام كامل على طول الطريق بين الرمادي والحدود الأردنية وذلك لتأمين حماية الطريق. وأيضاً بمثابة علامات دالة.
ثالثاً: أن يقوم عز الدين بإرسال سيارة صالون مغلقة من التي تستعمل في الرحلات العائلية، وأن تصل هذه السيارة قبلهم إلى الحدود العراقية الأردنية على أن تتوقف قبل الحدود بعدة كيلومترات. وقام عز الدين بإرسال مثل هذه
السيارة وكان سبق أن أهداه إياها الرئيس صدام حسين. وكلف شقيقه الأصغر إبراهيم باستلام هذه السيارة عندما تصل الحدود على أن يذهب إبراهيم بسيارة أخرى. وكان لهم في هذه السيارة مآرب كبيرة سنأتي على ذكرها لاحقاً. رابعاً: تم الاتفاق على أن يذهب كل منهم مع زوجته وأولاده بسيارته الخاصة. وأن يأخذ معه ما خف وزنه وغلا ثمنه وأن يقول لزوجته بأننا ذاهبين إلى بلغاريا للمتعة وقد نتأخر أكثر من شهر. وانفض الاجتماع وانصرف كل على حدة احتياطاً وتم الاتفاق أن يكون لقاءهم القادم في الكيلو متر 160 بعد مدينة الرمادي باتجاه الحدود الأردنية

   2

                                                                                                             

لندن يلفها الصخب. ووسائل الإعلام العربية أصابها الجنون.. لكن روحي هادئة.. رغم أن الوقت ثقيل. ألقيت الصحيفة من يدي.. وأغلقت هاتفي.. أريد الحفاظ على هدوئي.. كانت كل حواسي وجميع قنوات دماغي تعمل بأقصى طاقتها وبشكل استثنائي..
هذا الخروج مؤشر واضح على رجحان كفة الفكر المعارض.. وفرصة مهمة قاب قوسين أو أدنى.. لتحقيق حلم كبير بانتقال سلمي للسلطة من يد دكتاتور إلى أدمغة عدة تريد إنقاذ العراق وإنهاء محنتنا. كنت واثقاً أنها خطوة كضربة قوية على ظهر النظام الحاكم. إن فشلت ستكسبه قوة.. انتابني قلق طفيف فوددت الحديث مع آخرين.. في اللحظة التي فتحت فيها هاتفي رن جرسه.. وكان صدام كامل على الخط..
أستطيع القول أنه كان صديقي منذ عام 1980.. وكان مهذباً لطيف التعامل دمث الأخلاق.. لم أسمع أنه اعتدى على أحد.. أو تجاوز على أحد.. أو تسلط على أحد.. أو أساء الأدب أو حاول أن يأخذ ما ليس له.. وكان يستطيع أن يفعل كل ذلك دون أن تطاله يد المحاسبة..
هناك من يعتقد خطأ بأني كنت شريكاً تجارياً لعدي صدام حسين.. والحقيقة أن الشخص الوحيد الذي كان بيني وبينه تعامل تجاري من عائلة صدام حسين هو صدام كامل.. وقد كنا شركاء في معمل صغير للألبسة الجاهزة سنة 1982، أغلقناه بعد سنة ونصف وخلافاً لكل التوقعات التي كان يتداولها البعض بأن الذي يشارك هؤلاء دائماً هو الطرف المغبون..
انتهت شراكتنا رضائياً وبمحبة واحترام ودون أدنى إساءة. وظلت صداقتنا محتفظة بتوهجها طوال الوقت.. أنا أتحدث على المستوى الشخصي.. وأغض طرفي عما قيل عن دور صدام كامل في الإشراف على عمليات التعذيب المروعة عندما كان في جهاز الأمن الخاص.. هذه العمليات التي طالت أشخاصاً من أهلي، وأصدقائي وبعض رموز المجتمع الذين يحترمهم ويقدرهم الجميع.
لكننا في ذلك الاتصال.. الذي دام أكثر من ساعة ونصف لم نتحدث أبداً بالماضي.. لم نتعاتب.. ولم نتحاسب.. فقد كان ندمه جلي الوضوح.. وكان تسامحي ناصع النقاء..
لم نتحدث بما مضى.. تحدثنا بالحاضر.. وبالمستقبل.. وكان جلّ همي أن أدفع هذه الخطوة العظيمة التي أقدم عليها مع شقيقه.. إلى الأمام.. وأن أؤمن لها مناخاً مناسباً لتأتي ثمارها..
مرر لي شقيقه الفريق حسين كامل وتحدثنا طويلاً وروى لي بعض الأحداث التي حدثت بالقرب مني ووعدني بأنه سيحدثني بالكثير من الأسرار عندما سنلتقي قريباً في عمان.
وفوضني بالاتصال بمن أراه مناسبا للتعاون.. فاتصلت بالحزب الشيوعي العراقي وهيئت لقاءً بيننا.. كما أجريت لقاء مع حزب الدعوة الإسلامي. ولقاء آخر مع السيد هاني الفكيكي نائب رئيس المؤتمر الوطني العراقي. كما أجريت لقاء مع شخصيات دبلوماسية في وزارة الخارجية البريطانية في لندن.. ولقاء مع الدكتور عبد الحسين شعبان ومع السيد سعد صالح جبر..
ولم أتردد لحظة بالاتصال بالسيد صلاح عمر العلي رغم ما كان بيني وبينه من خلاف كبير وصل حد الشتائم على صفحات الجرائد..
قلت للسيد صلاح عبر الهاتف: علينا أن ننسى خلافاتنا يا أبو عمر.. إذا كنا نريد إنقاذ العراق.. واستجاب دون كلمة عتاب والتقينا على موعد حددناه.. ولم نتعاتب.. بل تحدثنا فيما يمكن أن نفعله للم شمل المعارضة، وجعل خروج حسين كامل مآزراً للفكر المعارض وإشراقة لحل الأزمات..
 

                                                                      اتصــالات مكثفـــــة

تلفونات في الصباح، وتلفونات عند الظهيرة، وفي المساء وبعد أن يخيم الليل، رنين جرس الهاتف يقتحمني وأنا على طاولة الطعام، ورنين آخر يقطع سيل أفكاري، ورنين يلحّ ويوقظني من إغفاءة قصيرة.
أي لعنة أحمل في جيبي؟!
كان صدام كامل يتصل خلال النهار، أما (حسين) فقد كانت أغلب اتصالاته في وقت متأخر من الليل، كان يتابع تفاصيل الأشياء، ويتابع نتائج نشاطي في لندن أول بأول.
ـ طلب مني أن ألتقي الشخصية العراقية الوطنية، وزير الدولة للشؤون الخارجية والإعلام في العراق سابقاً، الاستاذ حامد الجبوري، لأستطلع إمكانية أن يتصل به حسين كامل، ولأنقل له تمني حسين كامل بلقائه، وكان بينهما فيما مضى علاقة خاصة ومعرفة شخصية، لأنهما كانا معاً في قيادة الدولة عندما كانا في العراق.
وكان الفريق حسين كامل يحاول عدم إجراء أي اتصال هاتفي بأي شخص قبل معرفة رأي هذا الشخص به.
اجتمعت بالأخ الكبير الأستاذ حامد، وتحدثنا سوية وعبر هاتفي مع الفريق حسين كامل، وتبادلا أرقام الهواتف، وتبع ذلك أن تمت اتصالات مباشرة ودائمة بينهما، كما طلب مني الاتصال باللواء عبد الأمير عيسى الصباح، وهو شخصية عسكرية عراقية، انحازت إلى الانتفاضة في العام 1991، في أعقاب حرب الخليج، وتم الاتصال بينهما عن طريقي، والتقيت السيد الصباح وكان صريحاً جداً، وكان اللواء عبد الأمير أيضاً على معرفة شخصية بالفريق حسين كامل.
كما اتصلت بناءً على طلب حسين كامل، بالعديد من الشخصيات وممثلي والأحزاب العراقية، أذكر منهم الحزب الإسلامي العراقي، حيث زارني الأخ والصديق (السامرائي) عضو قيادة الحزب آنذاك، وأمينه العام حالياً، وكان موقفهم في الحزب إيجابياً من موضوع حسين كامل، وأمنّا اتصالاً بين الفريق حسين كامل والدكتور أسامة التكريتي، الأمين العام للحزب آنذاك، والتكريتي ينتمي لعشيرة البو ناصر، التي ينتمي إليها حسين كامل.
ولكن من المستغرب أن حسين كامل كان يطلب مني الاتصال بشخصيات عراقية مقيمة في لندن، وكانت أسماء هذه الشخصيات غريبة وغير معروفة بالنسبة لي، وبالنسبة للسيد (صلاح عمر العلي)، الذي كان حاضراً في عدد من اتصالاتي مع حسين كامل، أو مع أي جهة أخرى لذات الشأن.
وأذكر أن أحد الذين كلفني بالاتصال معه، كان اسمه الجنابي، وقد شدد على الاهتمام به والتعاون معه، لتوسيع دائرة الاتصالات مع المعارضة العراقية، بصفته شخصية سياسية مهمة، من شخصيات المعارضة العراقية.
والحقيقة لم أكن قد سمعت بهذا الاسم من قبل، كما أن السيد صلاح عمر العلي بدوره لم يعرفه، وهذا ما شجعني على عدم الاتصال به.
وبينما كنت أتابع مجريات الأمور مع الفريق كامل، وفي أحد الاتصالات، سألني: هل اتصلت مع السيد نبيل الجناني أم لا؟
وعندما أخبرته بأنني لا أعرفه ولا وزن له في ساحة العمل السياسي المعارض، غضب جداً وتكلم معي وكأنه على كرسي السلطة، ويأمر أحد العاملين معه أو أحد معاونيه.
طبعاً سأعود لاحقاً للحديث عن هذه الخصلة في حسين كامل، كما سأعود للحديث عن نبيل الجنابي الذي يستحق أن يؤلف عنه كتاباً لأنه يعبر عن الوضع الكارثي للمعارضة العراقية التي يتسلل إليها الطارئون والأفاقون.
 

يتبع

.